العنف المؤسَّس في النص



العنف المؤسَّس في النص

"البعد المغيب"


إن الاكتفاء بالمدونة الرسمية المتداولة للإسلام لمحاولة تقديم قراءة انتقائية لنصوصه ومقولاته ليس هو الحل الملائم لنفي ما علق بالإسلام من تهم بالإرهاب والتعصب والانغلاق... كما أ نها ليست الطريقة الصادقة والأمينة التي تتناسب وهذا التحدي الذي تثيره رهانات الثقافة المعاصرة.
فالعنف والتعصب والانغلاق الذي يحاول المتحمسون نفيه عن الإسلام اعتماداً على هذه المدونة إنما تكذبه بشكل قاطع جملة من المفاهيم المركزية المؤسسة للإطار النظري الذي يتحكم في نظرة المسلم للآخر المغاير للأنا...فهذا الإسلام المعني يبدأ أول ما يبدأ بموضعة إنسانه حول رمزية عقائدية تشريعية ذات رسالة صارمة تحفل بكل الدلالات والمعاني التي لا يسعها إلا أن تؤسس سياقاً نمطياً من المشاعر والتصورات المتجهة إلى اختزال كل أبعاد الإنسان في معادلة مسطحة متمحورة حول الذات...الذات بوصفها كياناً منتمياً لمنظومة كونية تحتضن في جوفها كافة السلطات المهيمنة على قواعد اللعبة ذات العلاقة بهيكل الحقوق ؛ أي أنها تمتلك في يدها جماع السلطات المعتبرة في إضفاء الشرعية الحقوقية على ممارسات الإنسان الانفعالية والسلوكية والتصورية وعلى امتداد مناشطها الحيوية، وهذا في نظر أصحابها بطبيعة الحال، فالمشاهد المتتابعة التي تؤسسها النصوص والمقولات وعلى مساحات مترامية من هذه المدونة الرسمية لا تقودنا أبداً إلا لتقرير هذه الحقيقة والتي تمثل بالفعل الوعي العقدي والتشريعي الذي بلور العقل الإسلامي الجمعي منذ قرون طويلة رغم كل التلونات البلاغية والخطابية والطرق التبجيلية التي يروق لنا أن نحتمي بها أمام ضغوط الخطاب البديل.
فمبدأ احترام الآخر وقبوله والانسجام مع قيم التعايش والانفتاح...وإلى غيرها من الأمور لم يكن يوماً إلا منشدَّاً لهواجس المنظور المحوري الذي يتم على وفقه تصنيف الأفراد والمجتمعات انطلاقاً من مفهوم الانتماء أو بحسب الخطاب الديني مفهوم الكفر والإيمان.
وأعتقد أنه في مثل هذا السياق لا يسعنا البتة أن نفهم هذه المبادئ والقيم إلا على أساس أنها حاملة لجينات هذا المنظور وبصماته بخطوطها الدالة على الرغبة المتأججة في احتواء الآخر وتذويبه وصهره وإلحاقه أو على الأقل تحييده ومراوغته في إطار لعبة الصراع.. ولاشك أن هذا الادعاء سيكون غريباً ومستهجناً أول الأمر ولكن هذه الغرابة والاستهجان سرعان ما ينقشعان إذا ما حاولنا أن نتتبع هذه الإشارات المكثفة التي تترع بها النصوص والمقالات وسنعرف على الفور كم هي فعالة وحيوية وقادرة على بلورة حالات يبدو فيها الآخر كأمثولة منفتحة على كافة الفرضيات والدعاوى الموغلة في الحط والتبخيس.
ولكي نكون أكثر وضوحاً فإنه لابد من القول بأن الأمر لا يتعلق على الإطلاق بتنوع الأطياف واتساعها على امتداد مساحة النص المدوَّن بحيث يمكننا أن نفلت من أسر القراءة المناوئة أو نراهن على حيادها فنيمِّم جهدنا شطر الحرف والتأويل أو البتر والإقصاء. إنما يتعلق بحالات ذات مغزى بنيوي لا يمكننا الفكاك منه إلا بإحداث فوضى وتشوه في نسق النظام الشامل لهذه المدوَّنة ونعني بذلك نزعة التمحور حول الذات كنزعة مكرَّسة في شرايين هذا النظام بحيث لا يمكن الفكاك منها إلا بتخريبه وتمزيقه؛ أليس هو ما يمكن أن يطلق عليه إيديولوجيا النواة الواحدة ؟
والحق أنه لا يمكننا إحراز أي قدر من النجاح أو الفوز بلحظة الانتماء للإنسان والانحياز لحقوقه وتطلعاته مع استمرائنا أو اندماجنا في هذا البعد الشوفيني المنطوي على تقديس الذات، كما أنه من المستحيل أن نعانق أي أمل في النمو والاطراد لآفاقنا الإنسانية مع إصرارنا على الانخراط في حمّى هذه الإيديولوجيا المكتفية التي لا يشكل فيها الإنسان سوى نموذج عقدي ذي دعامات تشريعية محددة جدَّاً، والتي تخلو من أية مرتكزات أو دعائم خارج نظامها الخاص المغلق في الأساس؛ أي خارج نظام الولاء والتبعية للجماعة والانصهار في همومها.
فهاجس تحويل العالم إلى نماذج جاهزة تحاكي نموذجها العقدي والقيمي والتشريعي بل ونظرتها التاريخية سيؤدي بالضرورة إلى الاستمرار في هذا الاستمساك الحاد والتأبط لروح الصراع والاستعلاء والرغبة الموبوءة في الإقصاء أو الهيمنة.
إذاً فلا جدوى من هذه المحاولات المحمومة التي يبذلها البعض لأجل التأكيد على احترام الآخر وتمجيد الإنسانية ومحاولة إبراز عناصر التقارب والمصالحة مع قيم المساواة والحرية وحقوق الإنسان مادامت الإنسانية ذاتها سوف تبقى مشروعاً مؤجلاً غير ناجز إلا بعد استيفاء جملة من الشروط المؤهلة للانضواء تحت مظلة الصيغ العقدية والقيمية والتشريعية المعطاة سلفاً ، ولا أظن أن لمثل هذا الإنسان الذي يتمحور حول هذا المنهج أن يتمتع بأية نظرة متوازنة عن نفسه عوضاً عن أن يتمتع بها فيما يخص الآخر المغاير. فالتفاعل مع الآخر من واقع الاحترام المتبادل والحس الإنساني المشترك وتقديس الحقوق الطبيعية أمر عصي بعيد المنال. لأن هذا الكائن لا يمكنه أبداً أن يكون منسجماً ومتوافقاً مع هذه النظرة المتحضرة في الوقت الذي يكون فيه مغترباً في وظائف حيوية هي في الأساس ترتكز على أسس شوفينية متعالية. أما ما نراه اليوم من محاولات محمومة لالتقاط صياغات معاصرة داخل الهيكل التقليدي فسوف لن تقدم لنا شيئاً سوى مناسلة أفواج من الفصاميين المشوَّشين الذين تمزقت أوصالهم بين متطلبات المنهج الذي يفرض عليهم الانخراط في مفاهيم ورؤى تدعم الانبتات وانقطاع التواصل والانعزال عن العالم والاندماج في منظومة متكاملة من النفي والاستئصال وبين متطلبات الوعي المعاصر الذي بدأ يفرض نفسه بحدة وعنف.
ولسنا نشك بأن الإسلام في قراءته المبكرة لم يدشن مفهوماً مغايراً للمفهوم الكوني للإنسان الذي يتأسس على اعتبار الجوهر الإنساني الحال في هذا الكائن هو كافٍ وحده لإسباغ ما توجبه الروح الإنسانية من معانٍ ودلالات وما تقضي به من التزامات وحقوق إنسانية وطبيعية كاملة غير منتقصة .
بيد أن القراءات اللاحقة لم تحتفظ بهذا المفهوم على حاله، إنما تم كشطه وتفكيكه وإجراء بعض المعالجات الجذرية عليه لأسباب ذات صلة بالظروف والأحوال السياسية والاجتماعية وما تأسَّس عليهما من فرضيات الصراع بين الفئات المختلفة المتنازعة وكذلك نوع وطبيعة التحديات بل والتطلعات التي كانت تمور في أحشاء المجتمع والدولة الفتية. فكان لابد أن يتوَّج هذا النزاع بنقلة كيفية في مفهوم الإنسان ورؤاه وذلك لتوالي التوظيف والتوظيف المضاد لكل ما يمكن حشده من أدوات ووسائل في سياق هذه اللعبة.
وبالطبع فإن الدِّين لن يكون بمنأىً عن ذلك كله بل هو في لب هذه اللعبة ومهمازها على أدق تقدير، وذلك باعتباره أداة طيِّعة وفعَّالة ومتجددة وقادرة على إضافة ثقل نوعي للجهد المبذول في إطار لعبة الصراع.
وفي هذه الأثناء كان قد تولد المفهوم البديل للإنسان وأصبح يشق طريقه إلى قلب المقدَّس الديني بعمق واقتدار مخلفاً وراءه كل هذا الإرث الإنساني الضخم الذي كافحت البشرية لأجله دهوراً طويلة ليدشن عهداً جديداً من الازدواج والالتباس والمراوغة في أبعاد هذا المفهوم العلائقية والقيمية بل والكونية أيضاً.
فهو من جهة مفهوم ثوري مأخوذ بهمّ الإنسان الكوني متعدِّياً لكل الكيانات القزمية المتمثلة في العِرق والدِّين واللغة والقومية والطبقة والعائلة... متهيكلاً بطموحاته الأبدية في الحرية والانعتاق من كل السلطات التي تعيق تقدمه تجاه السيطرة على مصيره، مدعماً لكل معاني الثقة والاحترام والحب لهذا الكائن والإعلاء من شأنه من الناحية النظرية.
ومن جهة أخرى فهو مدعوم بتفاصيل وقواعد مكثفة يمكنها أن تفتك بأهم المبادئ والقيم والرؤى التي تتأسس عليها منظومة الحقوق الإنسانية الطبيعية بل وتفتك بأهم المعايير والقيم والرؤى التي تؤلف العناصر الضرورية للتفاعل الإيجابي وتنمية الحس المشترك بين بني البشر.
ومن هذا المستقر تم تفعيل الإنسان وتوجيهه نحو أهداف وغايات ووظائف هي أبعد ما تكون عن الهواجس التي ما برحت تؤرِّق الإنسان عبر مسيرته التاريخية بل هي أبعد ما تكون عن القيم الطبيعية التي يجب أن يتوخَّاها هذا الإنسان كالتزام مبدئي نحو بني جنسه.
إذاً فقد تم إحداث نقلة كيفية في المفهوم والوظيفة مدججة بكل ما تفتقر إليه من أنساق خطابية صالحة للنمو والتسرطن في جسد الهيكل الديني كله .
ومن وحي هذا الدور الذي تكفل به النموذج المخترَع انبثقت أمشاج العنف المؤسَّس على النص في المنظومة الدينية ونمت وترعرعت، ولم يقلل من خطورته وعظمه تلك الجماليات الإنشائية والعبارات الاحتفائية والتبجيلية التي أغرقتنا في أمواج متلاطمة من التكرار والمعاودة للنصوص والمقولات الحلزونية التي تؤكد على مبادئ التعايش والعدل والرحمة والمساواة... ناسين أو متناسين في زحمة هذه الحالات أننا بذلك نعارض الأصول بالفروع والمتون بالهوامش.
ومن هنا بالذات ينبغي البحث في معضلة العنف المؤسَّس بدلاً من الفرضيات المستعجلة أو المهادنة.
ومن هنا أيضاً ينبغي أن نفكر في إيجاد النفق الذي يوصلنا إلي اكتشاف البدائل المنهجية التي تؤهلنا للولوج إلي أفق آخر أكثر مطابقة للحياة الإنسانية الراشدة.
والحق أنه لابد لنا من الاعتراف بأنه لم يعد ممكناً أن نستمر في الادعاء بأننا نتبنى موقفاً موضوعياً من الإسلام في ذات الوقت الذي نروج فيه لفكرة مغالية في الزيف والتضليل مفادها طهارة الإسلام من آفات التعصب والعنف والانغلاق حسب نسخته المتداولة، مع الاستمرار في محاولة إلصاق هذه التهم بالتأويل المتعسف للنصوص أو تردي الأحوال والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية أو بالاستجابة للتحديات التي أفرزها واقع الظلم والمهانة والتبخيس... وغيرها من الأمور الأخرى الموغلة في التنصل من مقتضيات البحث العلمي الجاد وتحمل تكاليف الحقيقة. في مثل هذه الأجواء المحمومة.
فالعنف والتعصب ونفي الآخر ليس وليداً شرعياً للحظة الانحراف عن هذه المدونة كما يمكن أن يدعى ، إنما هو انعكاس أمين وصادق لجذورها المؤسِّسة. وما العقل الإسلامي إلا عقل مندمج في تراث يختزن في أحشائه كل المؤهلات الكافية والعناصر الصالحة لاحتضان بذرة العنف وتتويجها وحمايتها من الزوال والاندثار.
إذاً فبدلاً من أن نناثر الأعذار والتهم هنا وهناك فإنه يتعين علينا أن نتوجه بالإدانة وأصابع الاتهام إلى تلك الجهة المسكوت عنها وأعني بذلك المؤسسة الدينية التقليدية وامتداداتها التاريخية التي ساهمت ولازالت تساهم في تكريس الوعي المقلوب بالآخر بل ومسؤولة مسؤولية مباشرة على كثير من الأنماط السلوكية والانفعالية والتصورية ذات العلاقة بنفي الآخر وإقصائه و تبخيسه وهضمه والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بشرعية الولاء والانتماء لهذه المؤسسة المتربعة على عرش السيادة الدينية منذ دهور طويلة.
ولذا فإنه من الطبيعي جداً أن لا يكون لنا أي مخرج من هذا المخنق التاريخي ما لم يؤسس للإنسان رؤية جديدة تعيد المكانة والاعتبار لمفهوم الإنسانية كبعد مستقل له الكفاية والاستحقاق اللازمين لنيل كافة حقوقه المغيبة والمغتصبة والتي تم اختزالها وبطريقة فظة جدَّاً في جوف هذا المفهوم المتعالي للذات المؤمنة بعد أن تم شحنه بكل الدلالات القيمية والرمزية التي تؤكد على اعتباره جوهراً فرداً مكتف بنواته.
وبالتالي فهو وحده المستحق لكافة الضمانات الممكنة للتمتع بالحقوق الكاملة وعلى أي صعيد بل والمستحق لكل المميزات التي تؤهله لممارسة دور الوسيط الحاسم في إضفاء الحقوق الإنسانية أو نزعها تبعاً لما يمكن عدُّه اقتراباً من المنظومة القيمية والعقدية والتشريعية من عدمها.
إذاً فقد نصَّب هذا المؤمن من نفسه بديلاً عن الإنسان برمته وأنهى نواته وطابقها عليه.
وقد آن الأوان لأن نعترف بشجاعة وصدق بأن النص المدون(=القرآن والسنة) قد أفرز - بالفعل- كل هذه التدفقات الغزيرة التي تأسَّست عليها نظرية"النواة الواحدة" بما استقطبته من عناصر النفي والإقصاء والتبخيس المكوِّنة لنظرة المسلم للآخر المغاير للأنا بحيث لم يكن بمقدور أي صياغة مغايرة مما ينبثق هنا وهناك أن يلتف على تداعيات هذه النظرة الخطيرة أو يروضها.
فالأمر لا يحتاج منَّا إلى استنتاجات خفية أو تحليلات معقدة، فالشواهد تخنقنا أينما نولي ، وتحط بنبضها في كل زاوية من زوايا التراث القابع فينا ومعنا، وما مفهوم الولاء والبراء (الفقهي) سيئ السمعة إلا شاهد حي ينطق بكل الرؤى الاستعلائية المغرقة في الإجحاف والتعسف واللامساواة الإنسانية. ويكفينا أن نعرف أن مفهوم " الولاء والبراء" بمعناه الفقهي..هو القالب الذي تشكل فيه العقل الإسلامي بكل ما يعتلج فيه من أفكار ورؤىً وتصورات تحدد رؤيته للإنسان والعالم .. بل وتحدد له المدى الذي يمكن أن يذهب إليه في التقارب والتقرب من هذا الإنسان وهذا العالم. فهو الوعاء الذي أودع فيه كل التفاصيل والإجراءات اللازمة لكيفية التعامل مع هذا الكائن ونوع المشاعر والانفعالات التي ينبغي أن تتخذ حياله.
وهنا يتحتم علينا أن نتوقف لنميز بين نوعين من التصورات عن النص لكل منهما طبيعته وامتداداته المهمة جدَّاً.
فالتصورالنابع من التحدد بالقراءة الأولى لا يروم التعامل مع النص المقروء دون أن يباطن آفاقه الكامنة فيه أوان تشكله ونوعية وحدود الإمكانات التي تربطه بالتاريخ وتاريخه بشكل خاص وأما التصورات النابعة من التحدد بالقراءات اللاحقة فهي تصورات تحاول إعادة تمفصل التاريخ في قلب النص المقروء دون النظر إلى انكماش سياقه الزمني والمكاني وانبثاق أسيقة أخرى لاحقة قد تؤدي إلي استنفاد النص المعين لطاقته التاريخية واضمحلال إمكاناته التي كانت تمارس وعيها الخاص وفق شروط وأوصاف محددة بالضبط.
وهنا يمكننا أن نسوق جملة من الأمور من باب الاستشهاد لما لها من علاقة مسيسة بموضوعنا والتي نستحسن الإشارة إليها :
الأمر الأول:
إن لفظ المؤمن في القراءة الأولى قد شحن بدلالات كثيفة وحارة ومنمطة ولكن ذلك كله قد جاء في سياق ظرفي استثنائي اقتضته طبيعة الصراع المفروض على "الكيان النواة" (=الجماعة المؤسسة) ، فكان لابد من تعميق الشعور بالتمايز والانتماء وإذكاء جذوة العلو والفخار حفاظاً على الذات من الفناء والاندثار.
كما أن مفهوم الآخر قد اتخذ بعداً منمطاً أيضاً بحيث تم إدراجه في سياق قيمي حاد وذلك في ظل حقيقتين أساسيتين تستند الأولى منهما على المدلول القيمي لرفض الدين الجديد والإزراء به باعتباره رفضاً متأسساً على الجحود والعلو والاستكبار وهذا ولا شك يطعن طعناً مباشراً وصميماً في الصدقية المعنوية والأخلاقية. وأما الأخرى فهي تتعلق بالتموضع العدائي الحاد الذي اتخذه الطرف المواجه للكيان النواة مما يمكن أن يعطينا ملمحاً مهماً يتوجب أخذه في الاعتبار عند دراسة هذه الظاهرة.
وبالتالي فإن مفهوم (الكافر) وإن كان قد تأسس في النص - وهذا أمر لا لبس فيه - فهو لا يعبر أصلاً عما انصرمت إليه القراءات اللاحقة فيما بعد.
فمفهوم الكافر أو الكفر لا يعبر أبداً عن أية هموم عقدية أو نظرية إنما كان معبراَ عن مداليل أخلاقية وقيمية ... أي أنه يعبر عن موقف اجتماعي أخلاقي قبل كل شيء وليس موقفاً نظرياً عقدياً...وهذا يعني أ ن الكافر ليس هو مجرد الذات المغايرة في الرأي أو الدين أو المعتقد مهما كانت هذه المغايرة عنيفة وجذرية. إذاً فليس ثمة ترادف أبداً ما بين مفهوم الكافر كما هو في المنظومة القيمية والعقدية وبين مدلول غير المسلم وذلك لأن كل كافر لابد وأن يكون غير مسلم ولكن العكس غير صحيح.
فالكافر فقط هو من امتنع عن الإقرار بهذا الدين جحوداً واستكباراً وإعراضاً أو إهمالاً مع ا نتهاض البينات وليس من امتنع عن هذا الإقرار بدافع الخطأ الجهل والالتباس فذلك لا يصح اعتباره كافراً إنما هو غير مسلم بالمعنى المصطلح عليه ، أي غير(محمدي) وحسب ، وذلك هو الصدق المطابق للعدل والإنصاف وهذا ما يؤكده عرف الخطاب القرآني الذي اعتاد على استعمال هذا اللفظ في مواضع وسياقات ذات دلالات قيمية أخلاقية بالذات باعتبار أن هذا الإنسان الذي صح وصفه بالكفر كان قد اقترف – حسب رؤية القرآن - جريمة كتمان الحق وستره وتغطيته وتلبس بخيانة هذه الحقيقة الكونية على عظمها وخطر شأنها متعالياً على ذات الرب شخصياً، وهذا فعل يتعلق تعلقاَ مباشراً وحميماَ بالقيم الإنسانية والأخلاقية قبل كل شيء.
ولقد حافظ النص القرآني على هذه الوتيرة بشكل كامل، وهذه حقيقة يمكن اكتشافها من خلال استجلاء النصوص ذات العلاقة وسنلاحظ بوضوح أن هذا اللفظ قد ارتبط بأمور مشعرة بما أسلفناه، فمثلا يمكننا أن نلاحظ اقترانه بسوء المآل كـ (اللعنة..الغضب..الويل والثبور) وارتباط هذا المآل بأوصاف قيمية وأخلاقية مستهجنة كـ (الظلم..الطغيان..العلو في الأرض..) واقتران هذا كله ب( قيام البينات والنذر وتمام البلاغ...) والذي ولابد وأن يرتبط عضوياً بمسألة العدل الإلهي حسب فلسفة القرآن .
وهل يمكن للقرآن أن يقنعنا بالانخراط في أي مفهوم مفترض للعدل بمنأى عن توصله الحميم مع مبدأ المسؤولية الجنائية بمعناها الكوني وما ينطوي عليه هذا المعنى من أبعاد والتزامات ؟

وللوقوف أكثر على هذه الظاهرة يمكننا أن نتابع كيف حافظ القرآن على امتداد بساط النص على إبراز الصبغة النفسية والانفعالية لهذا الجحود أو الإنكار بعقد عرى التواصل بينه وبين عدم الخشية والاستهانة بالعذاب أو عدم المبالاة بالوعيد..والتي لا علاقة لها بالجهل أو الخطأ أو الالتباس على أي صعيد ، وهو في هذا الصدد يتجه إلى مواصلة تأكيده على أمور من مثل العذر بالجهل والخطأ والإكراه والتأول والغفلة والنسيان وهذه أمور واضحة الدلالة دون الحاجة إلى هذه المواضعات المسقطة أو المتعسفة التي استجنت النص المقدس فيما بعد.

الأمر الثاني:
إن كل القواعد التشريعية المؤسسة والحيثيات التفصيلية المنبثقة عنها والتي تنطوي على مداليل قيمية نافية وإقصائية إنما ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتنامي الصراع وتأصل العنف الموجَّه الذي مضى بعيداً في الشطط والغلو والعدوان بغية اقتلاع هذا الدين الجديد واستلاله من جذوره بأشد الطرق وأكثرها قسوة وعدوانية.
وبطبيعة الحال فإن مثل هذه الوضعية لابد أن تستدعي نوعاً من التصورات التي تنزع إلي فرض نوع من المفاهيم والقواعد والإجراءات التي تتلاءم وهذا المخنق الصراعي وما يثيره من تحديات إيديولوجية ونفسية وعلائقية... وبالتالي فإن كل هذه المداليل ذات المضمون الاقصائي التبخيسي النافي لا يتعلق أبداً بمجرد الاختلاف العقائدي بل إن كثيراً من التعاليم والإجراءات لا تتعلق حتى بالبعد الأخلاقي أوالقيمي لرفض الدين الجديد، بل بنوعية الصراع العنيف واللاإنساني المفروض على " الجماعة النواة".
الأمر الثالث:
إن الطموحات السياسية التي كانت تتبناها القراءة الأولى لم تكشف لنا ـ قط ـ عن أي طابع كوني بل أن تدويل الطموحات الإيديولوجية ذاتها لم تبرز فعلياً إلا في فترة متأخرة جداً وبعدما اقترب النموذج السياسي للدولة في الاستقرار والتبلور فعلياً.
وما نشوء هذه النزعة الكونية في إطارها السياسي وامتدادها وتطورها إلا بعد أن اتخذت المفاهيم والوصايا والإجراءات الظرفية بعداً غير ظرفي ينطلق منها لتأسيس مكانة هذا الإنسان العقائدي وقيمته الماورائية في قلب العالم لا كإيديولوجيا وحسب إنما كقوة مهيمنة تمتلك الشرعية الكافية لغرس مشروعها بالقوة بل وبكل ما يمكن أن تمتلكه من أدوات وتقنيات صالحة للانخراط في الصراع المفتوح وهذا هو ما قبضت عليه القراءات اللاحقة واحتضنته بعشق حار.
فالسمة القتالية التي اتسمت بها الأحداث من إحدى جوانبها لاعتبارات ظرفية صرفة تحولت من طابعها الطارئ إلي بنية منهجية قارة تتعدى شريحة الزمن الذي يؤطرها إلى أفق لا يحده زمن.ولايؤطره مكان.
إذاً فقد تحول مفهوم العنف المؤسَّس من مفهوم متمركز في سياق معادلة البقاء إلى مفهوم منخرط في معادلة السلطة والهيمنة مأخوذ بهاجس النواة الواحدة على مستوى النظام الشامل بكل مستوياته.
ختاماً:
لم يبق لنا إلا أن ننوه إلى أنه لم يكن من طموحنا أبداً أن نتوصل والقارئ إلى قناعة قاطعة ونهائية في ظل هذه القراءة المتواضعة لموضوع بالغ الأهمية والتعقيد وإنما بالغ ما نروم إليه هنا هو الحث والتنبيه إلى أن الخيار المتاح للتعاطي والمداولة في مثل هذا الموضوع من حيث المبدأ هو خيار أكثر انفتاح وقابلية للنظر والبحث والاستقصاء مما يبدو عليه في ردائه ا لقداسي الدغمائي كما أننا نتمنى أن تكون إثارتنا لهذا الموضوع مساهمة منا لإعادة النظر في هذا المفاهيم القارّة وتحريك عجلة النقد والمراجعة للمدونة الرسمية برمتها.

ليبيا/11-12-2001.