فن حوار الإرادات

فن حوار الإرادات

تقنية العقل المفكر للسيطرة على المصير


مقدمة

(1)

إن الإنسان -كل إنسان- في حوار دائم مع الأشياء والأحداث التي تقع من حوله ومع الزمان والمكان الذي يعيش بداخله فهو في حركة دائمة ونشاط مستمر يسعى من خلاله للسيطرة على مصيره ، يحدد أهدافه وغاياته التي يريد إنجازها وتحقيقها ، يختار لذلك السبل والوسائل المختلفة ، يتحين الزمن الذي يراه ملائماً ، ينتقي المكان الأنسب ، يجند الإمكانات التي يتوافر عليها. كل ذلك لكي يحوز على الشروط التي تمكنه من تحقيق ثلاثة أمور حيوية بالنسبة إليه:
الأول: بقاؤه ووجوده ، الثاني: استمرار هذا البقاء والوجود ، الثالث: تطوير ذلك بما يلائم التطور الذي يقع من حوله.
فإذا تم له الإمساك بشروط تحقيق ذلك فقد استطاع أن يسيطر على مصيره وأن يضمن لنفسه المحافظة على مقومات وجوده واستمرار بقائه.
ومن هذا المنطلق كان دائماً يصارع منافسيه "الإنسان الآخر – الطبيعة – الحياة – أشياء الكون جملة..." ، فيصطدم بهذا تارة ويجانب ذاك تارة ويتحالف مع ذلك تارة أخرى... وهمه السيطرة على المصير ، والمحافظة على استمرار البقاء وتطويره ، فإذا نجح في الربط بين عناصر ذلك فقد أتيح له الاستمرار والمواجهة ، أما إذا أخفق فإن أمره سيؤول لا محالة إما إلى التهميش والإهمال والإغفال ، وإما الاندثار والضياع والفناء.
و((التاريخ مليء بِ "جثث" الأمم والأفراد والذين لم يتمكنوا من النهوض في الوقت المناسب)).
وفي المقابل فإن الكون من حوله بما يشتمل عليه من موجودات مختلفة ، تسعى هي الأخرى لمقاومة الأغيار وتنزع لتحقيق البقاء واستمرار الوجود ، تدفع عنها أضداد ذلك بحسب ما تيسر لها من إمكانات وتوفر لها من شروط.
وهنا بالضبط ، يتجسد "حوار الإرادات" ! فالكل "يريد" ويسعى لتحقيق ما يريده ، فتتباين الإرادات وتتصادم أو تتفق وتتلاءم ، وهنا يكمن "فن الحوار" بينها ، وذلك باختيار الأنسب لإنجاز موضوع الإرادة وبتوفير وإنتاج شروط مقدمات هذا الإنجاز وبالقدرة على محاورة العقبات وتذليلها.
(2)
إن الإنسان – صاحب الإرادة – لا بد له لكي ينجز موضوع إرادته واقعياً من امتلاك شروط مقدمات هذا الإنجاز أولاً ، ثم امتلاك القدرة على الربط الصحيح بين هذه المقدمات ليتحقق له ما يريد.
وهو دور العقل المفكر الذي يلامس الأشياء والأحداث ويحدد زواياها ويكتشف أوجه التعالق فيها ليبتكر المقدمات ويؤلف بينها باستخدام "تقنية التفكير" ويبقى أمر تحقيق ذلك موقوفاً على قوة الإرادة وشدة انحسامها ومدى تصميمها.
إذن ، فالعقل والإرادة هما الأساس الثابت لإنجاز السيطرة على المصير بل وإنجاز كل ما هو موضوع للإنجاز بالنسبة للإنسان حقيراً كان أم جليلاً.
ويأتي الزمن والمكان والظرف والإمكانات...كعناصر متغيرة من جهة ما يتطلبه الإنجاز كمناسب يحدده "العقل المفكر" ، أما من جهة توقف الإنجاز عليها بالجملة فهي عناصر ثابتة أيضاً.
وهذا – بالطبع – تبعاً لعلاقة الأسباب والمسببات القائمة بين عناصر وأجزاء الكون والحياة جملة ، لتظل إرادة الخالق ومشيئته لإحداث أمر ما لا غبار عليها ولا تعارض بينها وبين الحركة وفقاً لما قام من علاقة السبب والمسبب..وإلا فقيامها بإرادة الخالق ومشيئته أصلاً.




تقنية العقل المفكر كَفَنٍّ للسيطرة على المصير

ماذا يعني ؟!
" إنه فن خلق الإمكانات الذاتية ، وامتلاك شروط إنتاجها ، والمحافظة عليها وتطويرها وتحريكها وتوجيهها تجاه أهداف مرسومة جديرة بالإنجاز في لحظتها ، بأقل كلفة ممكنة وبالشكل والظرف والمكان والزمان المناسب . وذلك بفعل العقل المفكر وقدرته على جس الأشياء والأحداث، وقدرته على إدراك الحقائق وتشكيل العلاقات وتحديد النسب، ثم بقدرته على الموازنة والاختيار والترشيح ، وحصر البدائل...إلخ من مقدمات لا بد من وجودها والتوليف بينها لإنشاء الفعل المراد.
وللإيضاح أكثر نقول : إن موضوع الإرادة لكي يتم إنجازه وتمثله واقعياً يتطلب عقلاً قادراً على معايرتها بالأهداف المرسومة ، قادراً على الترشيح والتوليف واختيار الممكن...والممكن المناسب.
فالإنجاز لكي يتم واقعياً يستلزم عدة أمور:
أولاً - امتلاك إمكانية ذاتية:
ويعد أول العناصر وأهمها على الإطلاق باعتباره يتضمن الحيازة على مؤهلات ذاتية لا يمكن تصور تحقق أي إنجاز دون امتلاكها.
ثانياً – امتلاك إمكانية الاستقطاب:
أي الاستقطاب للإمكانات الذاتية عند عدم توفرها ، وذلك بامتلاك القدرة على جلبها وحيازتها باستقطابها أو امتلاك شروط إنتاجها وإيجادها عند عدم امتلاك إمكانية استقطابها .

ثالثاً – امتلاك إمكانية التحريك:
فإن الإمكانات الذاتية وإن كانت عنصراً أولياً لإتمام الإنجاز ، إلا أنه يتطلب الإمكانية اللازمة لتحريك هذه الإمكانات وتوظيفها فيما كان موضوعاً لهما وكانت هي شرطاً في قيامه فإذا انعدمت إمكانية التحريك هذه استلزم امتلاك إمكان شروط إنتاجها وإيجادها ، أي امتلاك العوامل التي لا يمكن للتحريك أن يتم بدونها.
رابعاً – امتلاك إمكانية التوجيه:
إذا توافرت الإمكانات الذاتية ووجدت القدرة على تحريكها ، كان لا بد من توافر القدرة على توجيه الحركة توجيهاً سليماً يضمن التمثيل الأنسب للإنجاز عن طريق الاختيار والتوظيف المناسب للممكنات والإمكانات فإذا انعدمت القدرة على التوجيه المطلوب استلزم العمل على امتلاك شروط إنتاج إمكانية ذلك.
خامساً – امتلاك إمكانية اقتصاد القوى:
عرفنا أن إنجاز موضوع الإرادة يتوقف على مجموعة مقدمات .. هذه المقدمات بمختلف عناصرها هي ما يمكن اعتبارها – إجمالاً- القوى التي يُعتمد عليها في الإنجاز ، والاقتصاد في هذه القوى يعني تصريفها بالقدر المطلوب والمناسب للإنجاز ، دون إفراط أو إهدار أي أقل جهد ، أقل زمن ، أقل إمكانات ... إلخ ، ليتم الإنجاز في أقصر مسافة ممكنة وبأقل كلفة ممكنة.
وعند انعدام امتلاك إمكانية الاقتصاد هذه يلزم العمل على امتلاك شروط إنتاجه وإيجاد مقومات القدرة عليه.




سادساً – امتلاك إمكانية حوار العقبات:
إذ لكل إنجاز كان موضوعاً للإرادة ، وتوفرت إمكانات ومقدمات ذلك ، وتم التحريك والتوجيه فلا بد وأن يعترض ذلك عقبات وعوائق ، أي كان نوع هذه العقبات وحجمها وتأثيرها ... فكان لا بد من امتلاك القدرة على محاورة هذه العقبات باختيار الأنسب حيالها ( مجانبة – مصادمة – التفاف-إشغال- تشتيت- امتصاص- تفتيت... إلخ ) وذلك حتى لا تشكل مانعاً من السير في طريق إنجاز موضوع الإرادة.
وفي حال انعدام هذه القدرة استلزم العمل على توفير شروط إنتاجها وإيجادها.
سابعاً – امتلاك إمكانية التحديد:
إن ترشيح أولى العناصر بالترشيح من بين الممكنات المتوافرة يتطلب امتلاك القدرة على تحديد الأنسب من بينها ، بحيث يتم اختيار المناسب من:
الشكل – الكيفية – الظرف – الزمان – المكان - ...
إذ ليس كل ممكن من الأشكال أو الكيفيات أو الظروف ... يمكن توظيفه في طريق الإنجاز الذي حُدد له التمثيل المناسب ، إنما ينبغي الترشيح لأكثرها قدرة على ذلك ، وهذا يتطلب امتلاك القدرة على تحديدها والتقاطها.
وإذا انعدمت هذه القدرة لزم العمل على امتلاك شروط إنتاجها وإيجادها.
ثامناً – امتلاك إمكانية المنع:
إذ التوجه إلى امتلاك الإمكانات أو التوجه إلى تحريكها وتوجيهها بعد امتلاكها قد يمتنع لوجود أضداده ، بالتالي كان لا بد من امتلاك القدرة على منع هذه الأضداد متى وجدت .. وعند عدم امتلاك هذه القدرة يلزم امتلاك شروط إنتاجها وإيجادها.
إذن فتقنية العقل المفكر كفن للسيطرة على المصير تعني – بتركيز - :
" فن تطويع الممكنات وتجييشها للسير تُجاه هدف أو أهداف جديرة بالإنجاز بالتمثيل الأنسب وبأقل كلفة ممكنة ".
وذلك يستلزم – باختصار – إمكانية القبض على المناسب من :
الوقت – المكان – الظرف – الجهد – الإمكانات – الجهة – الكيفية – الشكل.
أي القبض على عوامل القوى المناسبة القادرة على الإنجاز والاستمرار والتطوير منذ اللحظة الأولى المتمثلة في الهم والعزم ... إلى آخر لحظة تواكب التطور وتسايره.
وهذا جميعه لا بد وأن يتم وفق "معايرة " دقيقة مع الأهداف المبتغاة والمرسومة ابتداءً ، حتى لا يقع الاختلال أو ينتهض الإبطال.





معادلات فن حوار الإرادات وتقنية العقل المفكر
تمهيد:
إن الإنسان – أي إنسان – ميال بطبعه وتواق إلى الإنجاز ، إذ هو دائماً "يريد" .. ومواضيع إرادته متباينة ومختلفة في النوع والأهمية ، فهو يريد أن يعيش ويحافظ على بقائه .. يريد أن يأكل ، يريد أن يمشي ، يريد أن يجلس ، يريد أ ن ينام ، يريد أن ينجح في حياته ، يريد أن يتعالق ، يريد أن لا ينهزم أمام غوائل الدهر والطبيعة ، يريد أن لا يستسلم لضغط أي عائق يقف دون إنفاذ إرادته ... إلخ ، ومواضيع إرادته المختلفة لا تتمثل واقعياً إلا بالإنجاز.
فهو إذن ينزع دائماً لأن ينجز ، بغض النظر عن تحقيق ذلك من عدمه.
من هنا كان هذا الميل والتوق للإنجاز حدّاً مشتركاً لا تمايز فيه بين إنسان وآخر ، إنما يكون التمايز فيما بعد هذا الحد .. ابتداءً من تحديد ماهية الشيء كموضوع للإرادة وخلفية هذه الإرادة ، مروراً بالتمكن من مقدمات الإنجاز والقدرة على تحريكها وتوجيهها ، انتهاءً بالإنجاز واستمراره وتطويره والتمكن من شروط ذلك جميعه ، وذلك هو محل البحث وغاية النظر فإنه باعتبار هذا التمايز يكون الصلاح أو الفساد في تمثل وتجسيد ذلك الميل والتوق واقعياً.
إذن فالسيطرة على المصير يمكن النظر إليها من جهتين:
الأولى: جهة تحديد الأهداف والغايات أو المطلوب كموضوع إنجاز للإرادة وهو ليس محل بحثنا.
الثانية: جهة التمكن من مقدمات الإنجاز والتمكن من توظيفها وهي محل البحث كما أشرنا.
إذ عناصر هذه الجهة هي المكون لمعادلات فن حوار الإرادات وتقنية العقل المفكر .
فعن طريق الموازنة وإقامة العلاقات الصحيحة بينها تكون السيطرة على المصير أو لا تكون !
فما المقصود من ذلك ؟
سنبتدئ الكلام بذكر بسطة هيكلية من الموضوع لغرض تأسيس الإطار النظري العام له.
ويتعلق الأمر بتحديد العناصر التي تعد هي الأخرى حداً مشتركاً ولكن في مقدمات الإنجاز تماماً كما كان التوق والميل حداً مشتركاً عند الإنسان.
فهذه العناصر أو المعادلات لا بد من وجودها في مقدمات كل إنجاز وإذا تصورنا تخلفها لم يكن تصور وجود مقدمات أي إنجاز ومن هذه الجهة اعتبرناها حداً مشتركاً ... وهي المعادلات التي تشكل مجال حركة العقل والإرادة من حيث تقنينها وتطويعها ثم الدفع بها تجاه الفعل الإرادي بإقامة العلاقات المناسبة بينها وبتوجيه الأهداف والغايات!
وللإيضاح والتحديد نقول:
إن كل حركة إرادية صادرة عن وعي لا بد وأن تكون غائية أو مهدوفة .. بحيث تكون هناك نقطة محددة تتوجه إليها .. وهذا يعني أنه لا بد أن تتجه هذه الحركة في مسار واتجاه معين بشكل نظري أو عملي.
والحركة في هذا الاتجاه نحو النقطة المحددة لا بد لها من:
طاقة أو جهد كافٍ – إمكانات محددة – وقت محدد – كيفية أو صورة وهيئة تتجسد فيها الحركة "من حيث هي".
ويظل تحقيق الإنجاز وعدمه رهيناً - بشكل سببي – بتحقيق العلاقة اللازمة فيما بين هذه الأمور والمناسبة لإنجاز الهدف المرسوم.
إذن فلا بد من:

· الحركة في اتجاه معين.
· لتحقيق هدف معين.
· بطاقةٍ معينة.
· وإمكانات معينة.
· وفي وقت معين.
· وبكيفية وشكل أو صفة معينة.
وهذه الأمور مجتمعة لا تمايز فيها من هذه الجهة ، أي جهة ضرورة تواجدها كشرط في مقدمات الإنجاز ، إذ الحركة الإرادية لا يمكن أن تقع إجمالاً إلا من خلالها.
فما هي تقاسيم هذه الحركة ، وما هي أشكالها التي تتمظهر عليها في الخارج؟
أولاً (التحديد) :
إن أول تقاسيم هذه الحركة ينبغي أن تقع – نظرياً – كخطوة أولى في طريق أي إنجاز هي التحديد الواضح لأمور خمسة:
الأول: الغاية النهائية:
وهي آخر نقطة يراد لها الوصول إليها ، والتي تم تجييش الممكنات وتحفيزها عبر المراحل المختلفة لإنجاز موضوعها ومتعلقها.
وهذه الغاية بهذه الصفة هي ما يوجه حركة الإنسان بالجملة.
الثاني: الغايات المرحلية:
وهي النقاط والمفاصل "الحسّاسة" التي لا بد من المرور بها في الطريق إلى الغاية النهائية عبر مراحل متفاوتة.
الثالث: الأهداف النهائية:
وهي النقاط التي لها الأهمية الأقل من الغاية ، ولا يعيننا هنا تحديدها بالضبط.
الرابع: الأهداف المرحلية:
وهي كذلك ليست مما يعيننا تحديده هنا ويمكن أن يقال فقط أنها أقل أهمية مما قبلها.


الخامس: المطلوبات الوقتية:
وهي الأمور التي يتطلبها الظرف المعين ، والزمن الذي تقع فيه الحركة الموجهة نحو الإنجاز وينبغي أن نلاحظ كون الترتيب بين هذه الأمور إنما هو بحسب الأولوية بحيث يمكن أن يقدم الأقل أهمية على غيره لتوقف الأهم عليه ، شرط أن يكون الاتجاه أو الحركة نحو هذا الأقل أهمية غير مخلة – في المآل – مما هو أكثر أهمية.
ثانياً (الترشيح والاختيار) :
وهي حركة "تالية" للتحديد ، عن طريقها يتم فحص وملاحظة العناصر واختبار المقدمات لغرض الترشيح لما هو فعّال ومناسب لمشروع الإنجاز .. ويندرج تحت ذلك:
1- فن اختيار المناسب:
إذا كانت الغايات والأهداف والمطلوبات هي موضوع الإنجاز ، فقد عرفنا أنه لا بد للسير تجاه إنجازها من توافر العناصر اللازمة ثم التوفيق بينها ، بالتالي لا بد أن تكون هذه العناصر مناسبة لتحقيق موضوع الإنجاز وذلك بِ :
· اختيار الوقت المناسب.
· اختيار المكان المناسب.
· اختيار الطاقة والجهد المناسب.
· اختيار الظرف المناسب.
· اختيار الاتجاه المناسب.
· اختيار الإمكانات المناسبة.
· اختيار الكيفية أو الهيئة أو الصفة المناسبة فإذا تم هذا الاختيار على الوجه المطلوب ثم تم التأليف والتوجيه "السليم" فقد وقعت أسباب تحقيق الإنجاز.
2- فن اختيار البدائل:
يُلاحظ مما سبق أنه يلزم تحصيل المعيارية وتحقيق الحد الأقصى في المناسب من الزمن والطاقة والإمكانات ...إلخ ، لكي ينجز موضوع الإرادة ، إلا أنه قد يمتنع القبض على هذا المناسب "المعياري" لسبب ما ، فيتحتم اختيار البديل ، وهو موضوع هذا الفن.
والبديل – كمفهوم – هو ما يؤدي الوظيفة المطلوبة دون أن يخل أو يرتد على الغاية أو الهدف بالفساد والإبطال ، وإن نزلت رتبته عن الأصل بحسب موضوعه ( كالوقت أو الجهد...إلخ) وهو ثلاثة أنواع:
· البديل النوعي ، ومفهومه: ما تجانست فيه أوصافه الجوهرية مع أوصاف المعياري وتباينت فيه الأوصاف العرضية الزائدة على الجهة المركز المتعلقة بالموضوع.
· البديل المكافئ ، ومفهومه: ما تجانست فيه الأوصاف الجوهرية مع أوصاف المعياري لا ككل ، إنما كقدر مطابق يمكنه تحقيق الموضوع بلا إشكال سوى غياب النموذج المعياري.
· البديل المؤثر ، ومفهومه: وهو ما اشتمل على قدر من الأوصاف يمكّنه من تحقيق نوع من المقاربة الكافية لعدم النزول عن حد البطلان وإن كان على أدنى الكفاية.
والمقصود - إجمالاً – أنه عند عدم تحصيل المعيارية يتم اللجوء إلى أقرب نقطة إليها يكون بالإمكان تحقيقها شرط أن لا يخل ذلك بالحد الأدنى أو اللازم لتحقق الإنجاز.
ويعتمد فن اختيار البدائل على أمرين اثنين:
الأول: القبض على الممكنات اللازمة بتحديدها وحصرها والتمكن منها.
الثاني: الترشيح باختيار أجدرها وأولاها بالتوظيف.
ثالثاً (فن اقتصاد القوى) :
باعتبار أن العناصر اللازمة لتشكيل المقدمات الضرورية للإنجاز هي - في الإجمال – عين المناسبات مما ذكرنا ، وهي أيضاً عوامل القوى المطلوبة في إنجاز موضوع الإرادة.
وفن اقتصاد القوى يعني امتلاك القدرة والتحكم في تصريف تلك القوى وعدم تبديدها والتحكم في تكثيفها وادخارها للاستمرار والتطوير للإنجاز المراد.
ويتم الاقتصاد في القوى بإتمام الإنجاز في:
أقل وقت/ أقل جهد/ أقل إمكانات/ أقصر مسافة ممكنة/.





رابعاً (فن استثمار الممكن) :
وهذا الفن يُعنى بالتمييز بين المستحيل والممكن في الواقع ، بحيث يسقط المستحيل من الاعتبار ، ويُتجه إلى الممكن لحشده وتوظيفه في إتمام الإنجاز عوضاً عن الركض وراء المستحيل أو غير المتاح ، أو ترك الممكن والمتاح .
خامساً (فن إنجاز الشروط الموضوعية) :
إن الإمكانات لكي يتم توظيقها في إتمام الإنجاز لا بد أولاً من وجودها وإمكانها ثم استثمارها ، وأخيراً توجيهها .
وفن إنجاز الشروط الموضوعية يُعنى بِ :
1- كيفية إنجاز شروط الإنتاج ، وهو يحقق الوجود الممكن .
2- كيفية إنجاز شروط التوظيف ، وهو يحقق الاستثمار .
3- كيفية إنجاز شروط التوظيف اللازم والتحديد ، وهو يحقق التوجيه .


سادساً (فن التكيف مع الواقع) :
إن الإنجاز والحركة في اتجاهه ، لا يمكن أن يتما بمعزل عن الواقع الذي يحتوي على كم هائل من الإرادات المنافضة والمضادة ، فكان لا بد من امتلاك القدرة على الأمور التالية :
1- المحافظة على البقاء .
2- المحافظة على التطور .
3- المحافظة على إمكانات الإنجاز .
4- المحافظة على توجيه الحركة نحو الأهداف والغايات .
5- المحافظة على إمكانية إنتاج شروط جميع ذلك .
6- وهو موضوع فن التكيف مع الواقع .
سابعاً (فن توقع الطوارئ والمفاجآت) :
ويتمثل في القدرة على توجيه القوى الممكنة لرصد الواقع وتفتيت معاملاته وإدراك أبعاده ، لغرض تحديد علاقاتها بالهدف أو الغاية سلباً وإيجاباً .
والطوارئ والمفاجآت إما أن تكون :
· في اتجاه الحركة المساوقة للإنجاز .
· أو مضادة لاتجاه الحركة المساوقة للإنجاز .
فإن كانت الأولى فإنه يتعين الاستعداد للتقاطع معها بغية استثمارها والاستفادة منها بحيث تكون خادمة للإنجاز .
وإن كانت الثانية فإنه يتعين الاستعداد لمواجهتها أو التوقي منها ... إلخ ، بما لا يجعل منها عائقاً في طريق الإنجاز .
ثامناً (فن استباق الطوارئ والمفاجآت) :
ويتمثل في ضبط الحركة الممكنة وتهيئتها بالقدر الذي يمكن من التقدم بالشكل المناسب عند حدوث الطوارئ ، مما يسمح بالإعداد للاستثمار أو المواجهة أو غيرذلك .
تاسعاً (فن مقارنة الحركة بالمحصلة) :
ويتمثل في ضبط معاملات الحركة وتهيئتها بالقدر الذي يسمح بتوجيهها وفقاً لما تقتضيه المصلحة والمفسدة .
عاشراً (فن المقارنة بالمعيارية) :
ويتمثل في القدرة على الموازنة لاختيار معاملات الفعل والزمن والمكان والظرف ...إلخ ، الذي لا يتناقض مع توجيه الغاية أو الهدف ، بحيث لا يرتد عليه بالإبطال أو الفساد ... فهو إذاً مقارنة اختيار هذه المعاملات على أساس توجيه الهدف أو الغاية .
حادي عشر (فن محاورة العوائق) :
من البدهي أن نقرر استحالة إتمام أية حركة دون أن تقف في طريقها عقبات وعوائق ، سواء أكانت هذه العوائق كثيرة أم لا ، وسواء أكانت كبيرة أم لا ؟ وبغض النظر عن نوعها ومدى تأثيرها على الحركة فإن ذلك كله لا يعني أنها ليست عوائق ، إنما يعني – فقط – الاختلاف في النوع والقوة والتأثير، ولذا فإن فن محاورة العوائق إنما يتمثل في كل ما يمكن اعتباره تجلياً للإرادة في تقنياتها المتجهة أساساً نحو السيطرة على المصير.